حسن بن موسى القادري

186

شرح حكم الشيخ الأكبر

« كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ؛ لأن أعرف « 1 » » ظهورا على حكم شؤونه الذاتية ، فسقطت ، وتنزلت النقطات التي هي سر حقيقة الحقائق ، وهي الهوية الغيبية فانطبع فيها صور الأكوان بعد ما ظهرت في محل حكمي ليس بحق ولا بخلق حتى لا يلزم كون الحق ظرفا للغير ، كما مرّ فتشكلت وتصورت بأشكال العالم وصوره ونسبه وإضافاته وأحكامه كلها صورة ، ومعنى ، ظهورا ، وبطونا فناء ، وبقاء ، عينا ، وحكما ، وجودا ، وشهودا ، فما في الوجود المحقق إلا اللّه وما سواه في الوجود الخيالي لا الحقيقي ، فكل ما سوى الحق خيال حائل وظلّ زائل ، فالعالم ما ظهر إلا في الخيال فهو متخيل لنفسه ، فهو هو وما هو هو ، فإنه تعالى نفى عين ما أثبت ، وأثبت عين ما نفى في قوله القديم : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] فلا يخلو وجه الحق من العالم وإلا ما كان الحق إلها ، وكان العالم مستقلا بنفسه دونه وهو محال ، فالعالم هو ، والناطق هو ، والمحرك هو ، والمسكن هو ، والظاهر هو ، وهو الظاهر بصور العالم بحسب تعين تجلياته ، وهي الصور المختلفة التي لا ظهر لها إلا في المتصل ، فما أوسع دائرة الخيال فيها يظهر وجود المحال . وفيه أنشدوا هذين البيتين : لمن كان في علم الحقيقة راقي * رأيت ظل خيال الظل أكبر عبرة ويفنوا جميعا والمحرك باقي * شخوص ومحال تمرد وتنقضي فالحق لا يقبل الصور من حيث أنه مطلق ، وقد قبل التشكل بالظهور في الأنفس والآفاق ، فالشكل والصورة إنما هي في حضرة الخيال فهو كرؤية النائم نفسه على صورته المعهودة في مدينة أخرى على حالة أخرى غير حالته التي هو عليها ، وكرؤية أصحاب السلوك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو الحق في صور متعددة مع أن العين واحدة ، فتحول الحق من حيث التجلي الأسمائي دون الذاتي ثابت محقق كما روى البخاري رضي اللّه عنه من رواية أبي هريرة رضي اللّه عنه في حديث التحول قال : « فيأتيهم اللّه تعالى في غير صورته التي يعرفونه بها فيقول : أنا ربكم ، فيقولون نعوذ باللّه منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا أتى ربنا عرفناه ،

--> ( 1 ) تقدم تخريجه .